أبو علي سينا

لح

منطق المشرقيين

اللاهوت . فألف الأنس الأعلى ، وذاق اللذة القصوى ، وأخذ عن نفسه من هو بها أولى ، وفاضت عليه السكينة ، وحقت له الطمأنينة . وتطلع على العالم الأدنى اطلاع راحم لأهله ، مستوهن لحيله ، مستخف لثقله ، مستحسن به لعقله ، مستضل لطرقه . وتذكر نفسه وهي بها لهجة ، وببهجتها بهجة . فتعجب منها ومنهم تعجبهم منه وقد ودعها ، وكان معها ، كأنه ليس معها . وليعلم أن أفضل الحركات الصلاة ، وأمثل السكنات الصيام ، وأنفع البر الصدقة وأزكى السر الاحتمال ، وأبطل السعي المرآة . ولن تخلص النفس عن الدرن ما التفتت إلى قيل وقال ، ومناقشة وجدال ، وانفعلت يحال من الأحوال . وخير العمل ما صدر عن خالص نية ، وخير النية ما ينفرج عن جناب علم . والحكمة أم الفضائل ، ومعرفة الله أول الأوائل ، إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه . ثم يقبل على هذه النفس المزينة بكمالها الذاتي ، فيحرسها عن التلطخ بما يشينها من الهيئآت الانقيادية ، للنفوس المادية ، التي إذا بقيت في النفس المزينة - كان حالها عند الانفصال ، كحالها عند الاتصال ، إذ جوهرها غير مشاوب ولا مخالط ، وإنما يدنسها هيئة الانقياد لتلك الصواحب ، بل تفيدها هيئات الاستيلاء والسياسة والاستعلاء والرآسة . وكذلك يهجر الكذب قولا وتخيلا ، حتى تحدث للنفس هيئة صدوقة ، فتصدق الأحلام والرؤيا . وأما اللذات فيستعملها على اصلاح الطبيعة ، وابقاء الشخص أو النوع أو السياسة . أما المشروب فأن يهجر شربه تلهياً ، بل تشفيا وتداويا . ويعاشر كل فريق بعادته ورسمه ، ويسمح بالمقدور والتقدير من المال ، ويركب لمساعدة الناس كثيراً مما هو خلاف طبعه . ثم لا يقصر في الأوضاع الشرعية ، ويعظم السنن الإلهية ، والمواظبة على التعبدات البدنية ، ويكون دوام عمره - إذا خلا وخلص من المعاشرين - تطربه الزينة في